محمد بن زكريا الرازي

38

المنصوري في الطب

الموات . وذلك أن العضل والأعصاب والدماغ نفسه يحتاج في أن يبقى على طبعه الذي يتمّ به الفعل إلى مقدار ما من الحرارة . فمن أجل ذلك وصل لها شرايين . وهذه المنفعة التي ينالها الجسد من القلب هي المنفعة الأولى التي يفضل بها الحيوان على النبات . وأما المنفعة التي ينالها الجسد من الدماغ فهي المنفعة الثانية التي بها الكمال وإليها أجرى وهو كان الغرض . أما المنفعة التي ينالها الجسد من الكبد فشئ يعمّه الحيوان والنبات . وذلك أنه إنما ينال منه الاغتذاء والنمو . ومن أجل أن القلب يحتاج لبقائه على طباعه إلى تنسّم هواء بارد أبرد منه ، وإخراج ما قد سخن في تجاويفه من الهواء سخونة مفرطة « 26 » ، خلقت آلات التنفس أعني الصدر والرئة ، وجعل بينهما وبين القلب وصل ومجار ينفذ فيها ما ينتشق من الهواء على ما نحن ذاكروه عند ذكرنا هيئة هذه الأعضاء . وجعل الكبد أصلا ومولّدا للدم ، ووصل منه العروق بالأعضاء ليسقى كل عضو ويتوزع الدم عليها بقدر حاجتها إليه فيكون لذلك غذاءها وبقاء ما يبقى بحاله ونمو ما ينمو منها وذلك أن الشيء إنما يبقى بحاله إما لأنه لا ينفش ولا يتحلل منه شيء كالحال في الحجارة نحو الياقوت والذهب والزجاج وإما لأنه لا يخلف فيه بدلا مما يتحلل وينفش منه كماء البحر الذي ينفش منه كل يوم ويتحلل منه شيء كثير وينصب فيه من الأدوية بدلا مما يتحلل فتكون صورته أبدا محفوظة على حاله متقاربة . ولما كانت أبدان الحيوان مركبة من الجواهر التي تتحلل لم يمكن أن تنمو ولا أن تبقى بحالها إلا بالاغتذاء . ولما كان ما يغتذي به ليس من نوع ما يتحلل منها احتيج أن يكون لها عضو يحيل ما يغتذي به إلى مثل الجوهر الذي يتحلل منه ولأن ما يغتذي به أيضا لا يستحيل عن آخره بل إنما يستحيل ويتشبه به منه طائفة ويبقى الباقي فضلا غير قابل للاستحالة والتشبه بالذي تحلل منه . وكانت هذه الفضول إن بقيت في أبدانها أورثتها ضروب الأسقام أعدّ وهيىء لدفعها وإخراجها

--> ( 26 ) هذه من النظريات القديمة الخاطئة . تجاويف القلب ( الأذينين والبطينين ) تكون دائما وأبدا مملوءة بالدم . ولا يمكن أن يكون فيها أي جزيء من الهواء كما كانوا يتوهمون .